محمد أبو زهرة
53
المعجزة الكبرى القرآن
فوجدوا الإيمان يقوى ويكثر أهله ، والشرك يضعف وينقص عدده ، تفاهموا على ألا يسمعوا لهذا القرآن كما أشرنا . وأن يهرجوا بالقول عند سماعه ، ولقد حكى اللّه سبحانه وتعالى عنهم ذلك ، فقال تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ( 26 ) [ فصلت : 26 ] . ( ه ) ولقد كانوا إذا تلا عليهم القرآن لا ينقده كبراؤهم ، وإن كان السفهاء السفسافون منهم يتطاولون لحمقهم ، أما الذين أوتوا حظا من الإدراك ، ولو أعمتهم العصبية وأبعدتهم عن الإيمان ، فإنهم يفرون من مواجهة النبي صلى اللّه عليه وسلم ويقولون : قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [ فصلت : 5 ] . ( و ) وإن اللّه سبحانه وتعالى لم يتركهم في هذا العجز الصامت الذي يفرون فيه من المواجهة ، ولا يريدون المناصبة ، بل يكتفون بالسكوت العاجز ، ويحاولون التمويه على غيرهم ، كما كفروا في أنفسهم بالحق ، وقد عرفوه ، بل تحداهم أن يأتوا بمثله ، ليثير حميتهم أو يؤمنوا به . وليبين ضعفهم أو يستسلموا ، فقال تعالى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 38 ) [ يونس : 38 ] أي أنه إذا كان قد نسبه للّه تعالى افتراء وهو منه ، فمحمد منكم ، فأتوا بمثله إن كنتم صادقين ، وادعوا شهداء لكم أو عليكم . وادعوا أن ما فيه غير صادق فتحداهم سبحانه وتعالى أن يأتوا بمفترى يكون في مثل بيانه ، فقال تعالى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 13 ) [ هود : 13 ] . 30 - وننتهى من ذلك إلى حقيقتين ثابتتين نشير إليهما بالإجمال ، وسنتعرض ببعض التفصيل عند الكلام عن وجوه الإعجاز . الحقيقة الأولى : أن قريشا مع شدة ملاحاتها للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، ومع أن القرآن قد ذكر آباءهم بغير ما يحبون ، وذكر أوثانهم بغير ما يؤمنون ، لم يتحركوا لأن يقولوا مثله ، وأذعنوا لبلاغته وقوته ، وما أسلم عمر بن الخطاب إلا بعد أن قرأ فيه ، وكذلك جبير بن مطعم ، وإن القرآن تحداهم أن يأتوا بمثله فما فعلوا ، بل ما تحرك العقلاء منهم لأن يفعلوا حتى لا يسفوا في تفكيرهم وهم أمام رجل كبير في قومه وعقله ، ومعه آيات اللّه تعالى البينات ، فدل هذا على عجز مطلق . الحقيقة الثانية : أن القرآن جذب العرب إلى الإيمان بما فيه من روعة ، وقوة بيان ، وإيجاز معجز وأقوال محكمة ، وقصص تطول وتقصر ، وهي مملوءة بالعبرة في طولها وقصرها ، وإطنابها الرائع وإيجازها الذي لا يدع صغيرة ولا كبيرة إلا أوفاها بالعبارة الناصعة ، والإشارة الواضحة ، فما كان الإيمان نتيجة تحد للمقاويل منهم وعجز ، وإن